صورة الخبر

18:37:06 2026-01-19 : اخر تحديث

18:37:06 2026-01-19 : نشر في

بوكا في العراق.. السجن الذي غذّى الجماعات الإرهابية

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

يبقى سجن بوكا في العراق علامة فارقة في ذاكرة العراقيين، بعد أن أُغلق رسميًا في 17 سبتمبر 2009، السجن الذي تحول من مركز احتجاز عادي إلى مصنع لتخريج المتطرفين وقادة تنظيمات إرهابية أبرزهم "داعش"، يمثل رمزًا للتجارب المؤلمة والذكريات السيئة في البلاد.

 

النشأة والأهمية

أُنشئ سجن بوكا عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، في منطقة أم قصر بمحافظة البصرة، وكان في البداية يستخدم لاحتجاز أسرى الحرب العراقيين تحت إدارة القوات البريطانية، قبل أن تتسلم القوات الأمريكية إدارته، وحمل السجن اسمه من رونالد بوكا، أحد رجال الإطفاء الذين لقوا مصرعهم في هجمات 11 سبتمبر 2001.

وفي ذروة عملياته كان بوكا يؤوي أكثر من 20 ألف معتقل، معظمهم متهمون بالتورط في عمليات ضد القوات الأمريكية، وشمل ذلك أعضاء وقادة بارزين في التنظيمات الجهادية المتطرفة وغيرها من مسميات ورغم الهدف المعلن من احتجازهم للحفاظ على الأمن، تحول السجن إلى حاضنة لتجنيد وتدريب العناصر المتطرفة التي أسست لاحقًا تنظيمات مثل القاعدة وداعش.

 

بوكا والتحولات الفكرية والتنظيمية

من خلال الاعتقال الجماعي لعدد كبير من الجهاديين والمقاتلين في مكان واحد، أصبح سجن بوكا مرتعًا لتبادل الأفكار المتطرفة، وتشكيل التحالفات بين قيادات تلك الجماعات، وأبرز هؤلاء كان أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش المستقبلي، الذي احتُجز في بوكا عام 2004.

وخلال فترة سجنه لم يكن البغدادي مجرد معتقل، بل لعب دورًا بارزًا في استقطاب المعتقلين وتجنيدهم، كما استثمر فترة احتجازه لتقوية علاقاته مع شخصيات قيادية أخرى مثل عبد الله قرداش، أحد قادة داعش البارزين.

وتحوّل سجن "بوكا" إلى ما سمي بـ"جامعة الجهاد"، إذ قام المعتقلون بتعليم وتدريب بعضهم البعض على التكتيكات العسكرية التي استخدموها لاحقًا في تشكيل التنظيمات المسلحة.

 

الأوضاع داخل السجن 

على الرغم من محاولة الولايات المتحدة تقديم بوكا كمعتقل نموذجي بعد فضيحة سجن أبو غريب، كانت الظروف المعيشية في بوكا سيئة، ووُصفت الظروف في السجن بأنها قاسية وإذلالية، حيث تم اعتقال آلاف العراقيين، خصوصاً من المناطق التي شهدت مقاومة قوية للاحتلال، مما دفع المعتقلين إلى تنظيم احتجاجات متكررة داخل السجن، فشهد عام 2005 مقتل 4 معتقلين وإصابة 6 آخرين برصاص سجانيهم في واحدة من أكبر الاشتباكات التي اندلعت بين السجناء والحرس احتجاجا على سوء المعاملة في السجن، وبمرور الوقت باتت هذه الاحتجاجات جزءًا من حالة التوتر التي سادت السجن، وأسهمت في تعزيز الروابط بين المعتقلين.

وفقًا لتقارير عديدة صادرة عن منظمات دولية، بما في ذلك الصليب الأحمر، أكدت أن الفساد الإداري وعمليات انتهاك حقوق السجناء كانت حاضرة، وتم توثيق انتهاكات تتعلق بالرعاية الصحية والظروف الإنسانية العامة داخل السجن، مما زاد من حالة العداء بين المعتقلين وإدارة السجن.

 

إرث سجن بوكا

بعد إغلاقه في 2009، تم نقل العديد من المعتقلين إلى سجون أخرى في العراق، لكن الأثر الذي تركه سجن بوكا استمر لسنوات طويلة، ويُعتقد أن العديد من الخطط التي نفذتها الجماعات الارهابية، بما في ذلك الهجمات التي شنها تنظيم داعش فيما بعد قد وُضعت خلال فترة الاعتقال في السجن.

ويُعد بوكا اليوم مثالاً حيًا على كيف يمكن أن تسهم مراكز الاحتجاز غير المدروسة في تعزيز التطرف، بدلاً من احتوائه، فالبيئة القاسية والسيئة المغلقة سمحت بتطوير بيئة حاضنة أنتجت أيديولوجيات متطرفة ومظالم كثيرة.

 

سجون العراق على خطى بوكا 

إرث سجن بوكا والسجون الأمريكية ما يزال يلقي بظلاله على سجون العراق الحالية، حيث تشترك في نفس البيئة القاسية التي ساهمت في إنتاج التطرف بدلاً من احتوائه، فكما كان الحال في بوكا تعاني السجون العراقية اليوم من أوضاع سيئة وربما أسوأ، تتمثل في الاكتظاظ الشديد وسوء المعاملة، وهي بيئة مشابهة لتلك التي وفرت أرضية خصبة لتشكل الجماعات الإرهابية.

وفقًا لتقارير "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، فإن السجون العراقية، تشهد "ظروفا مروعة" على حد وصفهم، بما في ذلك انتشار الأمراض بسبب نقص الرعاية الصحية واحتجاز المعتقلين لفترات طويلة دون محاكمات عادلة ما يسهم في تغذية حالة الظلم والتطرف على حد سواء.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك