صورة الخبر

11:56:17 2026-03-30 : اخر تحديث

11:50:31 2026-03-30 : نشر في

الرواتب في خطر والأسعار ترتفع 25%.. الاقتصاد العراقي على حافة الانهيار

حجم الخط

سعد عواد - شبكة الساعة

لم تكن الحرب بعيدة عن جيب المواطن العراقي، فبينما تتصاعد أعمدة الدخان في سماء المنطقة، تتصاعد معها أرقام مرعبة تتحدث عنها المصادر المالية والاقتصادية بهدوء حذر، أرقام تقول إن العراق يخسر ما بين 6 و7 مليارات دولار كل شهر، وإن موازنة الدولة تتحول أمام أعين المختصين من ميزانية دولة نفطية إلى ما بات يُعرف بـ"اقتصاد الحرب".

هرمز يُغلق.. والخزينة تنزف

المشكلة ليست في النفط ذاته، فالنفط موجود تحت الأرض العراقية بكميات هائلة، المشكلة في المخرج وذلك المخرج اسمه مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يمر عبره نحو 94% من صادرات العراق النفطية، وفق ما كشفه المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح.

حين توقفت حركة الشحن في هذا المضيق، وتعطلت موانئ البصرة، وجد العراق نفسه أمام معادلة مؤلمة، بلد كان يُصدّر ما بين 3.3 و3.4 مليون برميل يومياً بات لا يُصدّر إلا ما دون المليون برميل، أي أن طاقته التصديرية انهارت إلى أقل من ثلث مستواها الطبيعي، والنتيجة الحسابية بسيطة ولكنها صادمة حيث تراجع إيرادات نفطية يلامس 80 إلى 90% من المستويات الطبيعية.

أول دولة تدخل اقتصاد حرب حقيقي

الخبير الاقتصادي محمود داغر لم يتردد في توصيف ما يجري بعبارة قاطعة، إذ أكد أن العراق بات "أول دولة تدخل في اقتصاد حرب حقيقي" في هذه الأزمة، وذلك لسبب جوهري يتعلق بطبيعة الاقتصاد العراقي ذاته؛ فالنفط ليس مجرد مصدر دخل، بل هو العمود الفقري الذي يُشكّل نحو 90% من الإيرادات العامة للدولة، وأي اهتزاز في هذا العمود يعني مباشرة التهديد بعجز الموازنة وشبح تأخر صرف الرواتب، وهو سيناريو بالغ الخطورة في بلد يعتمد الملايين من موظفيه اعتماداً كلياً على الراتب الحكومي.

ما يزيد المشهد تعقيداً، كما يوضح الباحث الاقتصادي علي الحياني، هو أن توقف التصدير جاء في وقت ترتفع فيه أسعار النفط عالمياً، ما يعني أن العراق يخسر مرتين، مرة حين لا يستطيع بيع نفطه، ومرة حين يضطر لاستيراد الغذاء والطاقة بأسعار مرتفعة، هذه هي الصدمة المزدوجة التي يحذر منها الخبراء، وهي لم تعد نظرية، بل باتت واقعاً يلمسه المواطن في السوق قبل أن يقرأه في التقارير.

الأسواق تشتعل.. والتاجر يخزّن

على أرض الواقع، يرسم عضو اتحاد الغرف التجارية قاسم يونس صورة قاتمة للمشهد التجاري المحلي، فمنذ اندلاع الأزمة شهدت الأسواق العراقية موجة ارتفاع واضحة في أسعار السلع المستوردة، وصلت نسب الزيادة في بعض المواد إلى ما بين 15 و25% ، وذلك في فترة قصيرة نسبياً.

والأزمة لها وجه آخر لا يقل خطورة عن نقص البضائع، إذ دخلت الأسواق في حالة من القلق التجاري، حيث يلجأ عدد من التجار إلى تقليص الكميات المعروضة أو رفع الأسعار احتياطاً لمواجهة أي تطورات مستقبلية، ما يُغذي موجة التضخم حتى قبل أن يقع النقص الفعلي.

الضربة الأشد وقعاً تأتي من جهة إيران، الشريك التجاري الأبرز للعراق في السلع الغذائية، فمع إغلاق الحدود وتوقف الاستيراد من الجانب الإيراني، وجد التجار العراقيون أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل في تركيا ودول الخليج والأردن وسوريا.

هذه البدائل متاحة نظرياً، لكنها مكلفة على أرض الواقع، بسبب ارتفاع كلف النقل والتأمين والتأخير في المنافذ الحدودية فضلاً عن أن أسعار السلع البديلة أعلى في الأصل مقارنة بالسلع الإيرانية التي اعتاد عليها السوق العراقي.

ما وراء النفط.. الملاحة والموانئ والإمداد

لا يرى الباحث زكيد الحشمي، المتخصص في اقتصاد النقل والموانئ، الأزمة من زاوية النفط وحده، فالخسائر تتشعب في اتجاهات أخرى يغفل عنها كثيرون، توقف حركة الناقلات أضاف إلى الأزمة أعباء إضافية تتمثل في الارتفاع الحاد بتكاليف التأمين والشحن، ما انعكس مباشرة على كلفة استيراد المواد الأساسية وأدى إلى اضطراب سلسلة إمداد الغذاء والوقود في آنٍ واحد.

وهذا الاضطراب في سلسلة الإمداد، إذا اقترن بأزمة الكهرباء المزمنة التي ترفع كلف النقل والتخزين يُشكّل عبئاً مركّباً يضرب الاقتصاد من زوايا متعددة في وقت واحد.

المواطن يدفع الفاتورة

في نهاية المشهد، يقف المواطن العراقي وحده يحمل فاتورة أزمة لم يصنعها، الخبراء يُجمعون على أن الأثر لن يبقى محصوراً في السجلات المالية والتقارير الاقتصادية، بل سينتقل قريباً وبصورة مباشرة إلى سلة الغذاء، وقدرة الأسرة على الشراء، وسعر الوقود الذي يُسيّر المركبة.

والأكثر إثارة للقلق في كل ما يرويه الخبراء هو غياب ما يمكن تسميته "الخطة ب"، إذ لا تمتلك الحكومة العراقية حتى الآن خططاً طارئة واضحة لتنويع مصادر الدخل، أو تفعيل بدائل لوجستية فعلية، أو امتصاص الصدمة عبر صناديق ادخارية سيادية قادرة على ردم الفجوة الهائلة التي خلّفها توقف التصدير.

في المحصلة، الأرقام تثبت أن العراق يخسر ما يصل إلى 7 مليارات دولار شهرياً، وأسواق ترتفع فيها الأسعار بين 15 و25%، وموازنة تعتمد على نفط لا يجد طريقه إلى المشترين، هذا ليس سيناريو مخاوف مستقبلية، بل هو الواقع الذي يعيشه العراق اليوم. 

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك